لنبني مقاومة وليس جدران

لنبني مقاومة وليس جدران

أصوات حملة عالم بدون جدران-نظرة عامة عن الكتاب  

يجمع هذا الكتاب أفكار وتجارب أفراد وحركات يناضلون ضد أشكال مختلفة من الجدران في مناطق متفرقة من العالم والذين ينتمون أيضا الى حملة عالم بدون جدران. يمثل المساهمون في هذا الكتاب أصوات شعوبهم والجماعات التي ينتمون اليها من مختلف أنحاء العالم. انهم يقودون الحركات التي تناضل الاضطهاد الواقع عليهم، بعضهم كذلك أكاديميين داعمين لحركات المقاومة الشعبية. نحن فخورون وممتنون لأنهم كانوا على استعداد لتبادل تجاربهم وأفكارهم معنا. ويتشارك معظمهم نفس الهموم مع الشعب الفلسطيني المتعلقة بالاحتلال والاستعمار والعنصرية والتمييز. بالنسبة للكثيرين، الوجود على الأرض والتمسك بها هو مقاومة. 

لا يزال ينقص هذا الكتاب مساهمات حركات أخرى. هناك بعض الحركات الغارقة في معاركها، والبعض الاخر لم نتمكن من الوصول اليها بشكل فعال لجعلهم جزءا فاعلا في حملة عالم بدون جدران بعد. هذه النقطة مهمة: هذا الكتاب ليس النهاية، بل البداية. سنستمر في جمع وتوثيق وتبادل الخبرات والتحليل لأن بناء عالم بدون جدران هو عملية مستمرة علينا تطويرها كل يوم.

لقد كان من الصعب ترتيب النصوص التي تمت المساهمة بها لاصدار هذا الكتاب، لأن شكلًا واحدًا من التنظيم والترتيب قد يناقض العديد من الطرق التي تتناغم بها النصوص وتنسجم مع بعضها البعض. وبالتالي فإن الترتيب الذي تم العمل به في الكتاب هو محاولة لتجميع النصوص مع بعضها البعض فقط.اعتمدنا على الترتيب الجغرافي للنصوص، أي من حيث الدول التي تتواجد فيها الجدران. سوف نبدأ الكتاب بالحديث عن جدارالفصل العنصري الاسرائيلي والجدار الذي تبنيه الولايات المتحدة الأمريكية على الحدود مع المكسيك والجدران الموجودة في اوروبا، ومن ثم مناقشة أشكال أخرى من الجدران والتأكيد على أن الجدران هي في الأساس أداة للقوى الاستعمارية والرأسمالية للهيمنة على العالم. تنتشر هذه الجدران في عالمنا وفي جميع مجالات حياتنا ويلتقي الهدف منها مع علاقات القوة الموجودة مسبقا لتشكيل هيكلية الهيمنة والاقصاء والاستغلال والتمييز والدمار الذي نكافح ضده. وبالمثل فإن هذا الكتاب هو مجرد طريقة واحدة ممكنة من بين طرق أخرى لقراءة النصوص ونأمل في تشجيع القارئ/ة على العثور على مايلتقي مع منطقه/ا وإلهامه/ا الخاص في مجموعة النصوص هذه.

الجدران في فلسطين:

يكاد يكون من المستحيل التحدث عن الجدران المنتشرة في عصرنا الحالي بدون البدء بفلسطين، حيث قامت إسرائيل ببناء نموذج للعديد من الجدران المفروضة على الناس في جميع أنحاء العالم.

على الأرجح كان فلاديمير زئيف جابوتنسكي، أحد الإيديولوجيين البارزين والسياسي اليميني الذي شارك في تأسيس إسرائيل، من أوائل الذين روّجوا لمفهوم الجدران الذي أصبح بعد ذلك وسيلة جوهرية لتحقيق غايات المشروع الصهيوني في اقامة دولة لليهود على أرض فلسطين. قال جابوتنسكي في عام 1923: “يجب أن يتوقف الاستعمار الصهيوني، أو أن يستمر بغض النظر عن وجود السكان الأصليين. وهذا يعني أنه لا يمكن أن يتطور إلا بحماية قوة بمعزل عن السكان الأصليين – خلف جدار حديدي، لا يمكن للسكان الأصليين اختراقه “.  لم يتخيل جابوتنسكي بالضرورة جدارًا حديديًا فعليًا. تصور قوة ومجموعة من الأدوات قادرة على حجب واعاقة كل نضالات الشّعب الفلسطيني من أجل العدالة والحرية والمساواة.

من خلال هذا الكتاب، تظهر الناشطتان الفلسطينيتان في مجال حقوق الإنسان ريا حسن وهالة مرشود كيف تم تنفيذ رؤية جابوتنسكي بمرور الوقت. تصف مساهمتهما كيف تم تثبيت ركائز الدولة الصهيونية على الجدران، فيما يتعلق بتطورها منذ بداية المشروع الصهيوني في فلسطين إلى مظهرها الحالي كمشروع استعماري اليوم.

 يحلل جمال جمعة، منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان، سياسات الكيان الصهيوني المرتبطة ببناء الجدران ويتجاوز ذلك ليناقش ممارسات أخرى للاحتلال الاسرائيلي التي تخلق جدرانا غير مادية. كما يتطرق جمال جمعة الى استراتيجية وممارسات الاحتلال الاسرائيلي الحالية من “التوسع الاستيطاني والتفوق العنصري والهيمنة الامبريالية التي تكمن وراء السياسات الاسرائيلية المتعلقة بالجدران.” أما حيدر عيد من غزة فهو يعطي صورة لما يعنيه العيش والنضال داخل جيتو محاصر بالكامل. يناقش رمزي بارود ورامونا روبيو من خلال مساهمتهم لهذا الكتاب بأن جدار الفصل العنصري الإسرائيلي هو عبارة عن “مرحلة أخرى في الحملة الصهيونية الجارية التي تهدف إلى إخضاع وتدمير الطبيعة في فلسطين لخدمة طموحاتها الاستعمارية”. من هذا المنظور، يصبح جدار الفصل العنصري الاسرائيلي نموذجًا مصغرًا للممارسات التي تخلق الأزمة البيئية العالمية، تلك التي أوجدتها المصالح الرأسمالية والاستعمارية التي كانت وما زالت تُخضِع الطبيعة وتدمرها، حتى توصلنا الى حافة الانهيار. أما بالنسبة للنص الذي كتبته نادرة شلهوب كيفوركيان من القدس، فهو يعطي “الأمل في أن جيل فلسطيني جديد سيكون قادرًا على تأكيد عبارة “أنا صمود – أنا أقوى من الجدران. 

لقد كان النضال الفلسطيني دائمًا أكثر من مجرد نضال تحرر وطني: إنه مقاومة نموذجية ضد الاستعمار ومحاولة توحيد شعب مشتت. مع تزايد أعداد الجدران في جميع أنحاء العالم، فإن دعوة الفلسطينيين للوقوف ضد جدار الفصل العنصري الإسرائيلي تؤكد أن فلسطين والدفاع عنها هما اختبار حقيقي للبشرية.

الجدران ما بين البنية الكولونيالية (الاستعمارية) والنيوكولونيالية (الاستعمارية الجديدة):

تعد الروابط بين الأشخاص الذين يقاومون أشكالاً أكثر وحشية من الحرمان والتشريد واحدة من القضايا التي تناقشها العديد من المساهمات لهذا الكتاب. تسلط سوليداد أورتيز من جمعية الشعوب في الدفاع عن الأرض، التعليم العام والعلماني والمجاني وحقوق الإنسان، أواكساكا، المكسيك، الضوء على النزوح باعتباره تجربة يومية مشتركة بين الشعب المستعمر في فلسطين والمجتمعات الأصلية في المكسيك. انطلاقاً من واقعها الخاص، تشير إلى الروابط المتينة بين الأشخاص المستعمرين الذين يكافحون من أجل بقائهم على أرضهم، وتسلط الضوء أيضا على أن الشعوب في جميع أنحاء العالم تقاتل “نفس النموذج العسكري ونفس السياسات التي تهدف إلى تشريد شعوب العالم من أراضيهم وسلب مواردهم الطبيعية “. يؤكد جيلبرتو كوندي، من تيخوانا بالمكسيك، من خلال مساهمته أن السياسة الاستعمارية تتعامل مع السكان الأصليين على أنهم غير موجودين من خلال الجرائم التي ترتكب بحقهم مثل اجبارهم على النزوح أو قتلهم أو بناء الجدارن التي تحاصرهم. ينظر إلى الجدار في فلسطين والجدار الذي بنته الولايات المتحدة الأمريكية على الحدود مع المكسيك، أي مسقط رأسه على أنهما جزء من الاستراتيجية الجيوسياسية للمستعمر حيث “يتظاهر المستعمرون من خلالها بالسيطرة على السكان الأصليين من أجل طردهم قدر الإمكان من المناطق التي يريدها هذا المستعمر أن تكون جزءا من الدولة التي يبنيها”. ويشير كذلك إلى الأفكار المرتكزة على تفوق المستعمر التي تبرر هذه الأفعال وتضفي على إسرائيل والولايات المتحدة الحق، ان لم يكن الزاما الهيا، في محاربة السكان الأصليين الموجودين مسبقا على الأرض المستعمرة. 

يسلط كل من خديجة عيناني من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أولي أوليفا من قافلة فتح الحدود، التي تنظم كل عام في الدولة الإسبانية، وخوري بيترسون سميث من الولايات المتحدة، الذين شاركوا في كتابة “بيان التضامن الأسود مع فلسطين” في عام 2015 الضوء على كيف أن الجدران المعاصرة لها جذور أعمق في التاريخ الاستعماري والرأسمالي. يصف أولي أوليفا البنية الاستعمارية المحصنة التي لا تزال موجودة والتي تتصل بالجدران الاستعمارية الجديدة في سبتة في إسبانيا ومليلة في شمال المغرب، والتي تهدف إلى وقف الهجرة. يتحدث خوري بيترسون-سميث من وجهة نظره عن تاريخ الولايات المتحدة في بناء الجدار وإنشائه كونها دولة استعمارية استيطانية، حيث يرى أنه بالرغم من تجسيدها الاستفزازي للسياسات المعاصرة للفصل العنصري والاستعماري، فهي ليست جديدة في تاريخ القمع والاستبداد. ويذكرنا بأن “معالجة كراهية الأجانب والعنصرية التي نراها اليوم تتطلب بحثا عميقًا في أسس المجتمعات ذاتها حيث يتم اقتراح الجدران اليوم كحلول لـ “غزوات “متخيلة من مجموعات من الناس يتم وصفهم بأنهم غرباء خطيرين”.

جدران من الاستغلال والترحيل والنيكروبوليتكس (مصطلح يستخدم لوصف نوع السلطة والقمع الذي يرتكز على القتل بدلا من الاستبداد والتحكم في حياة الناس):

، يعرّف خوان هيرنانديز زوبيزاريتا، عضو حركة حقوق المهاجرين الباسكية الجدران على أنها “توجد في حيز مكاني تغيب فيه الحقوق” وعناصر داخل ديناميكيات تتحرك فيها الممارسات الفاشية والشمولية التي ستقود نحو الفاشية الجديدة. فهو يعتبرالجدران جزءًا من حرب الرأسمالية والبنية الاستعمارية والهيتروبطريركية (السلطة الأبوية التي ترسخ الميول للجنس الاخر ونبذ المثلية الجنسية) ضد الشعب المضطهد والذي يشن من خلال الطرد والاستغلال والنيكروبوليتكس.

النيكروبوليتكس هو مصطلح يستخدم لوصف نوع من السلطة والقمع الذي لايرتكز على التحكم في حياة الناس، بل على قتل الناس كأفراد وجماعات. يعد هذا النوع من السياسة جوهر بناء الكثير من الجدران. أو، بحسب تعبير أخيل مبيمب: “إن قلق الإبادة هو في صميم مشاريع الفصل العنصري في الوقت الحالي.” 

بالتطرق الى شكل الفاشية الجديدة التي يقدمها الرئيس البرازيلي الحالي جاير بولسينارو، تتحدث جيزيل مارتينز من فافيلا ماري في ريودي جانيرو عن السياسة الاجرامية التي تتبعها الحكومة البرازيلية ضد الأحياء الفقيرة (الفافيلاز). وبالإشارة الى تجربتها لدى زيارتها لفلسطين تؤكد مارتينز أن “ما نعيشه في الفافيلاز وما يعيشه الفلسطينيون يظهر بأن مانواجهه هو خطاب عالمي وسياسة عالمية واحدة فيما يتعلق بالابادة الجماعية.” ليست الجدران مجرد أدوات لترحيل الناس عن أراضيهم أو معاملتهم على أنهم غير موجودون، بل هي أدوات للقضاء على الوجود الفعلي لأولئك الذين تعتبرهم الحكومة خطيرين أو غير مهمين. 

كما أصبحت الجدران وسيلة تستخدم على نطاق واسع لقمع اولئك الذين يبقون على قيد الحياة وأولئك الذين نزحوا والذين بدلاً من أن يختفي وجودهم، يضطرون أن يكونوا على أعتاب القوى الغنية والاستعمارية والإمبريالية. يعد الجدار الذي بنته الولايات المتحدة الأمريكية على الحدود مع المكسيك، والجدران الأوروبية في سبتة ومليلة وفي شرقها وكذلك الجدار الأقل شهرة الذي بناه الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وفي سيناء على الحدود مع مصر، من أكثر الأمثلة شهرة. 

إن الطريقة التي تساهم بها الجدران في الاقصاء والاستغلال موصوفة بقوة من قبل محمد مرابط من المغرب في مقاله عن النساء اللواتي يعملن في العتالة. يحلل محمد مرابط العلاقة الإسبانية المغربية من خلال النساء اللواتي يمارسن التجارة شبه القانونية التي تتم بالقرب من الجدار. “هذا النوع من العمل يحني ظهور النساء ولكنه لايكسرهن. تحمل تلك النساء على ظهورهن أوزانا من النظام العنصري والاستعماري والأبوي.”

تضيف لورين ليتي من المركز القانوني في ليسفوس-اليونان الى التحليل الدائر حول دور الجدران في الاستغلال والاقصاء مؤكدة أن الجدران هي تعبير عن نظام استعماري ورأسمالي وعنصري عميق يدعي التفوق على الاخرين ليس فقط من خلال الرفض المطلق لهم بل عن طريق اجبارهم على القبول والخنوع. تشير ليتي أن سياسة الهجرة الاوروبية تقوم على حقيقة أن أولئك المسموح لهم بالدخول يجبرون على القبول بعلاقة من الخنوع والاستكانة مع الدول التي تسمح لهم بالدخول الى حدودها. ويجبر هؤلاء المهاجرين على قبول “قسم الولاء” المتمثل في طلب “الحماية الدولية” من اوروبا، واوروبا في الوقت نفسه مسؤولة في معظم الحالات عن خلق الظروف التي تجبر الكثير من دول الجنوب للهجرة الى اوروبا.   

بالتطرق الى الجدران والسياسات المتبعة ضد المهاجرين، يرى دييغو باتيستيسا أن الرفض للمهاجرين لا يكمن بالدرجة الاولى فيما يسمى برهاب الأجانب، بل فيما يسمى “برهاب الاعتداء.” ويقصد بذلك أنه لا يكون غير مرغوب بالأجانب أو “الغرباء” الا عندما يكون ذلك مصحوبا بفقر أولئك المهاجرين. عندما تكون غنيا فأنت لست غريبا في أي مكان.” وبذلك لايمكن فصل الاضطهاد العرقي والطبقي عن بعضهما البعض.

يؤكد جيرمان رومانو في مقاله عن الجدران المناهضة للفقراء والهجرة في سان إيسيدرو، في محافظة بوينس آيرس على أن البلدية هناك قامت ببناء الجدران هذا الى جانب وجود ضوابط أمنية مشددة، والذي يذكرنا بمدينة قلقيلية في الضفة الغربية المحتلة والمسورة بالكامل بالجدار. ان الهدف والسياقات مختلفة: في الأرجنتين، هناك نظام فصل محصن وعسكري لإبعاد الفقراء عن أنظار الأحياء الغنية، وفي فلسطين الجدار بني لإبعاد الفلسطينيين عن أراضيهم. ومع ذلك، تبقى النماذج والأساليب كما هي.

الجدران التي لا نستطيع لمسها أو سماعها:

في حين أن العديد من المساهمات تركز على الجدران الملموسة والمرئية، فإن “الأنظمة المرتبطة بها” تشمل على عدد لايعد ولا يحصى من الجدران غير المرئية التي تطرد وتقصي وتستغل وتقتل.

ينظر أناند تيلتومبدي إلى الهياكل الهرمية للمجتمع، ولا سيما نظام الطبقات في الهند، كجدران أمام العدالة. ويوضح كيف عززت العمليات الرأسمالية والليبرالية الجديدة في الهند هذه الجدران الطبقية، بحجة أن “الطوائف أصبحت أكثر تعقيدًا بكثير وأصبحت الهند اليوم أكثر طبقية من أي وقت مضى. في الواقع، تقوم الهند بإنشاء واستيراد العديد من الجدران التي قد تستغرق صراعات طويلة لهدمها.”

أكدت جيزيل مارتينز على قوة البنية الأيديولوجية، بما في ذلك الدينية، لبناء الجدران أو إضفاء الشرعية عليها. تشير جزيل الى مستوى ثالث من الجدران التي ترمي الى السيطرة يتجاوز هذا المستوى الجدران المادية والقمع العسكري، وهو المستوى الأيديولوجي حيث تلعب الكنائس الإنجيلية الجديدة دورًا قويًا في تبرير السياسات العنصرية والقمعية والإقصائية، حتى لأولئك الذين يتحملون وطأة هذا العنف.

وغالبًا ما يصاحب عملية التسلح والاحتلال طبقات متطورة غير مادية من الجدران، كما يرى ميرزا س. بيك من كشمير ومحفوظ محمد الأمين بشري من الصحراء الغربية. يعزز جدار الهند العسكري في كشمير عند خط السيطرة بين الهند وباكستان من الوجود العسكري الهندي، والاعتقالات الجماعية، والعديد من الإجراءات الوحشية الأخرى المناهضة للديمقراطية التي حولت المنطقة إلى واحدة من أكثر الأماكن تسليحا ووجودا للعساكر في العالم. لا تدعم إسرائيل فقط الوجود العسكري للهند في كشمير، لابل تدعم قرار الحكومة في الهند الغير القانوني الذي يقضي بإنهاء وضع الحكم الذاتي لكشمير بدعوة الشركات الهندية لشراء الأراضي والاستثمار في كشمير. شبّه الكثيرون ذلك بسياسات الضم الإسرائيلية والاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. لكن ميرزا ​​بيك يسلط الضوء أيضًا على جدار آخر – جدار مرتبط بالاتصال والتواصل – أنشأته القوات الهندية من خلال فرض تعتيم رقمي كامل. بعبارة أخرى، تأتي عملية السيطرة هذه على كشمير بشكل قسري بالتزامن مع استبعادها من الفضاء الإلكتروني. 

لقد أوقعنا العصر الرقمي بين المطرقة والسندان: الانقطاع عن العالم الرقمي هو عقاب يجعل الحياة الطبيعية مستحيلة على المجتمع، بينما “الاتصال بالإنترنت” يعني المراقبة والتحكم المستمر. يسلط جمال جمعة الضوء على كيف أن تقنية المراقبة، والشمولية الشاملة التي تخلقها وسائل المراقبة، هي في الواقع جزء لا يتجزأ من أيديولوجية الجدران.

يتحدث محفوظ محمد الأمين بشري عن أحد أطول الجدران، وهو الجدار الذي أقامته المغرب في الصحراء الغربية الذي يهدف إلى إعاقة السكان هناك في الحصول على حقهم في تقرير المصير. ومع ذلك، فإن وجوده ينتهي به الأمر ليس أن يكون جدارا قائما بحد ذاته، ولكن ما يسميه “الجدار الصامت”. حتى مع وجود اتصال بالإنترنت في الصحراء الغربية، فإن التعتيم الإعلامي وغض صناع القرار الطرف عن هذا الجدار ومايسببه للناس من معاناة يجعل هذا الجدار غير مرئي وغير مسموع.

إن الجدران الموجودة في أذهاننا – أو ما يسميه جيلبرتو كوندي رسوم الخرائط الخيالية – هي نتيجة القوة الرمزية للجدران والقوة المعيارية لنظام القوانين والسياسات العامة والأيديولوجيات المرتبطة بها والعديد من العوامل الأخرى التي تعيق الوصول إلى العدالة. ان تأثير هذا النوع من الجدران الموجودة في أذهاننا يفوق تأثير الجدران الموجودة فعليا

تجارة بناء الجدران:

لم تعد أيديولوجيات ومنهجيات بناء الجدران هي فقط العالمية، ولكن التكنولوجيا التي تبني الجدران أصبحت عالمية أيضًا. يذكرنا خوري بيترسون سميث أن الولايات المتحدة لم تدعم بناء الجدار الإسرائيلي في كل خطوة فحسب، بل تعاقدت مع شركات إسرائيلية مثل ” “ألبت سيستمز” المسؤولة عن بناء جدار الفصل العنصري في فلسطين. تركزان كل من ريا وهلا في مقالهما على نموذج التجارة الاسرائيلية لتحويل تكنولوجيا الاحتلال الى تجارة مربحة. ويظهرون كيف تستخدم الشركات العسكرية الإسرائيلية الشعب الفلسطيني كمختبر وصالة عرض لتقنياتهم العسكرية، وتسويقها على أنها “مجربة في ساحة المعركة” في الأسواق الدولية.

يكشف مارك أكيرمان من StopWapenhandel (أوقفوا وابنهانديل) عن المصالح الاقتصادية والأرباح والبنى القائمة وراء ظاهرة بناء الجدران المتنامية في أوروبا. يوضح مارك أكيرمان كيف أنه لا يوجد أي شيء يكسبه الناس، ولا حتى المواطنين الأوروبيين من زيادة الوجود العسكري على الحدود. ومع ذلك، فإن أرباح الشركات هائلة: من المتوقع ارتفاع عالمي بنسبة 8٪ سنويًا وزيادة بنسبة 15٪ في الإنفاق على تعزيز الوجود العسكري على الحدود. ومن غير المستغرب أن الشركات الإسرائيلية ستستفيد من ذلك بشكل أو باخر. 

بناء مقاومة وليس جدران

من خلال مساهمته لهذا الكتاب ينهي فيجاي براشاد من معهد ترايكونتيننتال Tricontinental مساهمته بتذكيرنا بأنه “إذا قاومت، فأنت لا تقف خلف الجدار. هؤلاء اللاإنسانيون هم المحتجزون خلف الجدار. إنهم يختبئون خلف الجدار. إنه جدارهم. إنه ليس جدارنا. نحن نعيش في عالم بدون جدران.”

تسلط العديد من المساهمات في هذا الكتاب الضوء على أن إحدى الخطوات الأولى التي يجب اتخاذها في النضال من أجل العيش في عالم بدون جدران هي محاربة تقبل الناس للجدران كأنها ظاهرة طبيعية. تقول نادرة شلهوب كيفوركيان أن “تحطيم جدران القمع من قبل روح الشعب، ورفض الاضطهاد والاستعمار” هو جزء أساسي من نضال الشعب الفلسطيني. إن خلق وعي مضاد ومعاكس وقوة مضادة لما يفرضه الاستعمار يعدان عنصرا حاسما لتحطيم الجدران. وبالمثل، يدعو محمد مرابط إلى التفكير والعمل المضاد للقوة الاستعمارية المهيمنة الذي “ينفصل عن العالم الاستعماري وتبعية مجتمعاتنا للغرب ويعيد هيكلة توازننا كشعوب تعيش في الجزء الجنوبي من العالم ويولد مساحات ذات سيادة حيث يمكننا بناء نماذجنا الخاصة. ” هذه الحاجة إلى ضمان أن يكون الناس أبطالًا بدلا من أن يكونوا ضحايا لايحركون ساكنا يعكسها خوان زوبيزاريتا في رؤيته لمقاربة جديدة للقانون الدولي وحقوق الإنسان من أجل تشكيل “ميثاق جديد للكرامة الإنسانية.”

من أجل بناء أفكار وأفعال حقيقية معادية لهيمنة القوى القمعية القائمة، تؤكد سوليداد أورتيز على أهمية أن تكون أفكارنا وأفعالنا مبنية على أسس وأن ننظر إلى ما وراء صراعاتنا المحلية. وتؤكد على أهمية “أن نعبر عما يجول في خاطرنا ونحتج حتى لا يبيدونا بالكامل. هذا هو السبب في أننا نجتمع مع بعضنا البعض كأفراد. من الضروري أن ننظم أنفسنا كأفراد للدفاع عن أنفسنا ثم التوحد على المستوى الدولي لعولمة كفاحنا وما نأمل به (التحرر والعدالة).”

هنالك أمثلة متنوعة على الأفعال المضادة والمقاومة للقوى المهيمنة لتحطيم الجدران. وتعد هذه الأمثلة ملهمة، مثل فعاليات تموز الأسود في ريو دي جانيرو وما يتخللها من عقد محاكم شعبية، والقوافل، ودعوات حركات الدفاع عن المهاجرين والتضامن مع فلسطين لوقف استغلال الشركات التي تجني أرباحا من بناء الجدران ومحاسبتها على الجرائم التي تقوم بها. بصفتنا جزء من حملة عالم بدون جدران في منطقة الخليج رقم 3، كاليفورنيا (الولايات المتحدة الأمريكية)، وكما صرّحنا العام الماضي، فنحن نحتاج إلى النضال من أجل الحق في التنقل أينما يريد أي شخص، والحق في البقاء في أي مكان يريد أي شخص الذهاب اليه في أي وقت يشاء، والحق في العودة في أي وقت. الجزء المثير للسخرية هو أنه في حين تم “إعادة” عدد لا يحصى من الأشخاص الذين أرادوا أن يهجروا أوطانهم إلى الوطن رغماً عنهم، فإن اللاجئين الفلسطينيين مازالوا يكافحون منذ 70 عامًا من أجل نيل حقهم في العودة الى وطنهم – أكثر من ستة ملايين لاجئ فلسطيني يشكلون غالبية الشعب الفلسطيني – لا يتلقون أي دعم دولي ليتمكنوا من العودة إلى وطنهم.

ان نضال الفلسطينيين في سبيل تحطيم الجدران المرئية وغير المرئية المتمثلة بالعنصرية والاضطهاد والتي تجمع الحركات حول العالم لها تاريخ طويل. لا يمكن للنضال من أجل الحرية والعدالة والمساواة، القائم في الشتات وفي جميع أنحاء العالم إلا أن يكون أمميًا، أي على مستوى الأمم بدلا من أن يكون على مستوى الدولة القطرية، ويجب أن يكون هناك فهم للروابط بين الناس. لقد شهدت هذه الرؤية التي تتجاوز حدود الدول القطرية الفلسطينيين يكافحون جنبًا إلى جنب مع الآخرين في جميع أنحاء العالم، ومع مرور الوقت، تطورت حركة التضامن العالمية الموجودة اليوم.

يؤكد حيدر عيد من خلال مساهمته في هذا الكتاب على أهمية النداء الذي أطلقته مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني والذي يدعو الى المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على اسرائيل (BDS) كونها تفرض نظام فصل عنصري (الأبارتهيد) على الفلسطينيين. تهدف حركة مقاطعة اسرائيل BDS إلى حث الحكومات والشركات على قطع علاقاتها التي تمول وتشرعن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وتهدف أيضا الى قطع العلاقات مع إسرائيل المرتبطة بدعم التسلح في الخارج أو الأعمال الزراعية أو غيرها من المشاريع التي ترمي الى تدمير الناس في جميع أنحاء العالم.  تحقق حركة المقاطعة BDS انتصارات من أجل تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني وتمكينه من الحصول على حقه في تقرير مصيره ليبني عالما بدون جدران رغم كل الصعاب التي تواجهها. 

يؤكد “أصدقاء الأرض” في البرازيل على أنه: “كلما كبرت الجدران، زادت الشقوق والصدوع فيها. إذا كانت الجدران تحيط بنا، فينبغي أن نتمسك بالأمل بأنه سيتم هدمها واحدة تلو الأخرى. ستسقط وتتهاوى الجدران، وتبقى الشعوب المقهورة واقفة! “

عالم بدون جدران-كلمة محرر/ة الكتاب 

يصادف التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) لعام 2019 مرور ثلاثين عامًا على سقوط جدار برلين وتصريحات الغرب المتعلقة بتفوق نموذج السوق الحرة ووضع حد لكل الجدران. بعد ثلاثة عقود، تم بناء حوالي 70 جدارًا حول العالم. لقد قامت أوروبا بالفعل ببناء جدران يزيد طولها عن ألف كيلومتر- ستة أضعاف طول جدار برلين. بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام بأطول إغلاق حكومي في البلاد في معركة دارت حول إذا كان الكونجرس الأمريكي سيمول جدارترامب “الكبير، الضخم، الجميل” أو يدعم “الجدار التكنولوجي” الذي هو عبارة عن أجهزة رقابة بدلا من جدار ترامب الاسمنتي والذي تقدمت به زعيمة الحزب الديمقراطي نانسي بيلوسي. 

السؤال المطروح هنا، كيف وصلنا الى مرحلة أصبحت فيها الجدران علامة فارقة تميز عصرنا الحالي؟

حتى عام 2002 – عندما بدأ جيش كامل من الجرافات، برفقة وحدات عسكرية إسرائيلية مدججة بالسلاح، تدميرا واسع النطاق للأراضي الفلسطينية من أجل بناء جدار الفصل العنصري الإسرائيلي – كانت مثل هذه الجدران لا تزال من المحرمات.

لمدة عام كامل كان خلالها كيان الاحتلال الاسرائيلي قد شرع ببناء الجدار، لم تعترف إسرائيل حتى بأنها كانت تبني بالفعل جدارًا يبلغ طوله أكثر من 700 كيلومتر، وقد تم رسم أول خريطة توضح طول الجدار والمناطق التي يمر منها من قبل الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان، وذلك بفضل العمل الميداني الدؤوب والمساعدة المقدمة من نظام معلومات الدفاع عن الأرض في فلسطين (بالديس). اتضح فيما بعد أن الخريطة التي أعدتها الحملة الشعبية مطابقة تقريبًا للخريطة التي أجبرت إسرائيل على الافصاح عنها. في البداية لم يرغب العالم في تصديق الفلسطينيين ومؤيديهم الذين شجبوا بناء إسرائيل للجدار. كان علينا إحضار الباوربوينت للشرح عن الجدار والصور ليصدقها الناس. ثم عم الغضب العالم. وصلت مسألة الحديث عن “العواقب القانونية لبناء إسرائيل جداراً في الأراضي الفلسطينية المحتلة” إلى محكمة العدل الدولية. وأوضحت المحكمة أنه يتعين على إسرائيل تفكيك الجدار والنظام المرتبط به ودفع تعويضات للفلسطينيين المتضررين من بنائه. وشددت كذلك على أن المجتمع الدولي ملزم بعدم الاعتراف ب أو المساعدة في بناء الجدار والنظام المرتبط به، وعلاوة على ذلك، أكدت المحكمة أن من واجب المجتمع الدولي اتخاذ تدابير فعالة لإنهاء انتهاك إسرائيل للقانون الدولي. صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع تقريبًا على القرار ثم وضعته في نفس الدرج حيث تتراكم مئات قرارات الأمم المتحدة الأخرى المرتبطة بالتأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني، ولكن لا أحد يلتفت الى تلك الحقوق.

بعد ثلاث سنوات فقط من الشروع في بناء جدار الفصل العنصري على أراضي الفلسطينيين، أصدرت الولايات المتحدة في عهد الرئيس جورج دبليو بوش قانون السياج الآمن من أجل بناء جدار من السياج يبلغ طوله أكثر من 1350 كيلومترًا، ولهذا الغرض تعاقدت الحكومة الأمريكية مع شركة البت سيستمز (Elbit Systems) العسكرية الاولى في اسرائيل والتي كانت قائمة على بناء جدار الفصل العنصري الاسرائيلي. وبدلا من أن يوقف العالم بناء جدار الفصل العنصري الاسرائيلي على أرض فلسطين،تبنت العديد من الدول سياسة اسرائيل في بناء الجدران لتحقيق أغراض معينة. 

في هذه المرحلة، أصبح واضحًا لنا في الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان أن الجدران لم تكن مجرد معضلة يعاني منها الفلسطينيون فحسب، ولكن الأمر سيستغرق أكثر من عقد من الزمن (ورئيس أميركي يميني آخريصل الى الحكم) حتى تتوقف ظاهرة بناء الجدران وكأنها أمر طبيعي. حاليا، يقتصر النقاش حول الجدران إلى حد كبير على البحث الأكاديمي.

أكد ستيفن جراهام، في عمله عن التسلح والتعزيز العسكري الحضري الجديد، في عام 2009 بأن الجدار الذي بناه كيان الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين والجدار الأمريكي في بغداد قد أصبحا فعليا نموذجا للمناطق الحضرية في مناطق مختلفة من العالم. بعد عام واحد، عرّف ويندي براون جدران اليوم بأنها رد فعل ونتيجة “لتراجع السيادة” والخراب الذي أحدثته العولمة النيوليبرالية في حياة أعداد كبيرة من الناس حول العالم. في عام 2012، توصل ستيفان روزيير وريس جونز إلى استنتاجات مماثلة عندما صرّحوا بأننا نعيش في عصر “سياسة الجدار” – سياسة الجدران – حيث ترمز الجدران إلى ظهور قلة متميزة تستفيد بالفعل من العولمة وتدافع عن امتيازاتها. يرى محمد أ.شيشيان بأن الجدران عبر التاريخ هي إشارة  تدل على تلاشي قوة الامبراطوريات القائمة. 

في حين أن مثل هذا التحليل المتعلق بالجدارن كان مهمًا، إلا أنه لم يكن له التأثير الضروري خارج البرج العاجي لعالم الأكاديميا. بحلول عام 2017، تم بناء حوالي 70 جدارًا حول العالم. فقط أعداد قليلة من بين هذه الجدران تشبه في الغرض من بنائها جدار الفصل العنصري الاسرائيلي – على أرض محتلة تضم أراضي شعب يرزح تحت الاحتلال، بما يتعارض مع القانون الدولي. تقوم باقي الجدران الأخرى على عمليات تعزيز الوجود العسكري على حدود الدول.  تشترك جميع الجدران القائمة على اختلاف أشكالها في اثارها التدميرية لحياة الناس.

لقد تم ايقاظ الرأي العام واثارة تحرك بين الحركات حول العالم للاحتجاج على البناء المتزايد للجدران فقط عندما وعد دونالد ترامب ببناء “جدار كبير وضخم وجميل” على أراضي السكان الأصليين على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية خلال حملته الانتخابية. 

بعد أشهر قليلة فقط من وصول دونالد ترامب إلى السلطة، أطلقت الحركات المكسيكية والفلسطينية النداء الداعي إلى بناء عالم بدون جدران، والتي سرعان ما أيدتها مئات الحركات والشبكات العالمية والجماعات والمنظمات من جميع القارات.

وفيما يلي جزء من تصريح حملة عالم بدون جدران في نداءها الذي أطلقته:

بدءا بجدار الفصل العنصري الاسرائيلي المبني على أرض فلسطين وانتهاءا بجدار العار الذي تبنيه الولايات المتحدة الأمريكية على أراضي السكان الأصليين على الحدود مع المكسيك، هنالك حوالي سبعين جدار حول العالم تدمر حياة الكثير من الناس وتمزق أراضيهم لغرض تحصين حدود أقاليم معينة والذي يكون عادة أحادي الجانب أو ترسيم الحدود التي تتحكم بها الدول. تسبب هذه الجدران خسارة الالاف من الأرواح كل سنة، كما وتتسبب هذه الجدارن بتدمير سبل العيش وأحلام الكثير من الناس. الجدران هي رمز للطرد والاقصاء والاضطهاد والعنصرية والاستغلال. 

التزمت أكثر من 400 حركة وقعت على النداء برفع مستوى الوعي حول التأثير المدمر للهيمنة المتزايدة للجدران في عالمنا وحياتنا؛ خلق التضامن والروابط بين الناس المتضررين من الجدران والحركات التي تحارب الجدران؛ المطالبة بإنهاء فوري لسياسة بناء الجدران التي تطرد، وتقصي، وتضطهد، وتميز وتستغل، وأخيراً؛ مقاومة وقطع التمويل المادي لأولئك الذين يستفيدون من بناء الجدران.

تعد هذه المهمة التي تقوم بها الحركات حول العالم مهمة كبيرة، ولكن، كما يحدث غالبًا، قد يكون ما جمع الناس معًا ليس مبادرة بحد ذاتها بقدر ما يكون وعيهم بقسوة النظام القمعي والاستبدادي القائم التي تزداد سوءًا والتي تجعل عولمة نضالاتنا ضرورة ملحة.

بينما نحن هنا في فلسطين، نلاحظ العدد المتزايد للجدران حول العالم ومايرافقها من هيمنة خطاب وسياسات الأنظمة اليمينية المتطرفة والعنصرية التي تمتاز بتفوق عسكري، يبدو لنا كما لو أن العالم يمر بمرحلة حيث يسود فيه “الطابع الاسرائيلي” المتعلق بالفصل العنصري والاستبداد وتشييد الجدران. 

لقد تحدى الفلسطينيون منذ فترة طويلة تذرع اسرائيل الممنهج “بالأسباب الأمنية” لجميع أنواع السياسات غير القانونية ضد الشعب الفلسطيني وممارساتها العدوانية المتمثلة في الفصل العنصري والاحتلال والضم – بما في ذلك الجدران التي بنتها في الضفة الغربية وحول غزة. هذا الخطاب، شأنه شأن الجدران، يكتسب قبولا عالميا ويقوض كل الإطار المتعلق بحقوق الإنسان بأكمله.

مع استمرار الأزمة الاقتصادية والحضارية والبيئية العالمية والأساطير التأسيسية للرأسمالية النيوليبرالية – اي الطبيعة الميريتقراطية للنظام القائمة على حكم اولئك الذين يحرزون تقدما خاصة فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي المستمر الذي لايخدم سوى الأقلية على حساب الأغلبية، بدأت تفقد مثل هذه الانظمة الرأسمالية الميريتقراطية مصداقتيها. ولذلك فقد تبنت النخبة الحاكمة لمثل هذه الأنظمة ماأطلق عليه تشارلز دربر وييل ر. ماغراس “الكذبة أو الأسطورة الأمنية” من أجل منع أي تغيير من الشعوب المحكومة من قبل مثل هذه الأنظمة لعلاقات القوة القائمة. تتمحور الكذبة الامنية تلك حول غرس الخوف في مجتمعاتنا من خلال اختلاق تهديدات كاذبة والادعاء بأن التهديدات الحالية التي تواجهها الدولة هي في حالة من التفاقم وبهذه الطريقة تبرر النخبة الحاكمة وجودها باعتبار نفسها القوة الوحيدة التي يمكن أن تضمن ليس الرفاهية للشعوب بل الأمن والبقاء. ويسمي دربر وماجراس هذا “النسخة الجديدة من الجلبة المحدثة فيما يتعلق بالحماية والأمن.”

خلال الفترة التي رافقت فيها القيم الليبرالية بشكل عام النموذج الاقتصادي للنيوليبرالية في العالم الغربي، واصلت الأفكار التي تعزز القومية والعنصرية في إسرائيل بالتطور أكثر مع تعمق أساليب ومظاهر نظام الفصل العنصري المستخدم ضد الشعب الفلسطيني. حاليا، تمثل اسرائيل القومية الاستعمارية التي كانت في القرن التاسع عشر وتمثل أيضا نموذجا لنظام الفصل العنصري في القرن الواحد والعشرين، أي أن اسرائيل تعد مزيجا مثاليا من أكثر من نظام قمعي. وبطريقة ملائمة دمجت اسرائيل كل الايدولوجيات القائمة على القومية ونظام الفصل العنصري وممارستها ضد الشعب الفلسطيني مع السياسات الاقتصادية النيوليبرالية.”

في وقتنا الحالي، تعد الكذبة الأمنية عنصرا أساسيا في ترسيخ الأنظمة القومية واليمينية المتطرفة التي تؤمن بتفوق عرق على الاخر، حيث باتت هذه الأنظمة تكتسب شعبية وقبولا أكبر في جميع أنحاء العالم. وليس غريبا إذا أن نفس هذه الأنظمة وقادتها العنصريين والمتطرفين هم من أشد المعجبين بممارسات الكيان الصهيوني العنصرية وسياساته التي تضطهد الشعب الفلسطيني مثل بناء الجدران والعنف المفرط ضدهم وغيرها من الممارسات القمعية. وخير مثال على ذلك اليمين المتطرف الذي يحكم الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب والنظام الفاشي الذي يحكم الهند حاليا. لقد بدأ الحزب الهندوسي الفاشي الموجود حاليا في السلطة بشن حرب وحشية ضد الجماعات غير الهندوسية، وكذلك الحال مع الأنظمة الفاشية التي تحكم بعض الدول الاوروبية وتناهض الهجرة من دول العالم الثالث اليها، خاصة اولئك الفارين من الحروب الطاحنة في أوطانهم. كما أن النظام الفاشي الذي يحكم البرازيل حاليا بقيادة جاير بولسونارو والذي عزز من العنصرية وكراهية النساء يشبه اسرائيل في ممارساتها العنصرية، ولذلك فان كل هذه الاحزاب العنصرية في البرازيل، امريكا، اوروبا والهند تزيد من بناء تحالفات مع اسرائيل وتلتقي مصالحهم معها الى حد كبير.  

في ظل هذا الوضع القائم الذي يحكم عالم اليوم تصبح فوقية فئة عرقية معينة على غيرها من العرقيات الأخرى مبنية على أسس عنصرية أو دينية أو عرقية أو غيرها من شروط الاقصاء والتمييز، أما أي شخص ليس من تلك الفئة العرقية ينظر اليه على أنه غريب ومتطفل على هذا النظام القائم على النقاء العرقي والتفوق.  ولذلك فان الأشخاص الذين يعتبرون غرباء أو متطفلون في مجتمع معين لايفقدون حقوقهم والاعتراف بهم كبشر، ولكن يتم أيضا تجريم وجودهم. ان بناء الجدران على حدود الدول وداخلها لتفصل بين جماعات مختلفة من الناس هي عنصر مهم لتغذية مثل هذه العقلية القومية والعنصرية والتفوقية.

وفي ظل هذه الديناميكية العالمية تكتسب اسرائيل مصدرا لشرعية وجودها وممارساتها العنصرية والقمعية وتجد لنفسها سوقا متنامية لجميع أنواع النماذج والتكنولوجيا المتطورة لقمع الشعب الفلسطيني وتستفيد من الكذبة الأمنية لتسويق نفسها وخدماتها الأمنية على مستوى العالم لامتلاكها وسائل وتكنولوجيا أمنية وعسكرية متقدمة ومجربة، بالطبع يتم تجريبهاعلى الفلسطينيين من خلال الحواجز العسكرية التي تنصبها، واجهزة الملاحقة للنشطاء وهجماتها المتكررة على غزة.

ولذلك، بالنسبة للحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان، فان الدعوة الى نداء جماعي لمقاومة الأنظمة اليمينية حول العالم ولتوحيد النضال ضدهم هو أولوية سياسية لبناء عالم بدون جدران.

هنالك دائما أمل.

بينما نحن نكتب في هذه الكلمات الان، يتظاهر مئات الاف الناس في جميع أنحاء العالم ليقولوا لنا أنه هنالك أمل بمستقبل أفضل لنا جميعا، ليس فقط في فلسطين. يبدو لنا الشعب الغاضب على الاستبداد في تشيلي متحدا ولن يهزم أبدا. وهذا بالطبع يقوي قناعتنا بأننا سنحطم جدران الظلم عاجلاً وليس آجلاً.

بدلاً من الاستسلام الكامل للأزمات والهجمات الأكثر دراماتيكية ووحشية التي تسود عالمنا، فإن حملة عالم بدون جدران هي اللحظة التي نرفع فيها رؤوسنا عاليا، ونرى ماهو موجود وراء الجدران، لنفهم صراعات الآخرين والروابط المشتركة بين كفاحنا المستمر من أجل كسب القوة والثقة معًا. هذه النظرة إلى ماهو وراء الجدران هي اللحظة التي يمكننا أن نرى فيها في الأفق عالمًا من العدل والحرية والمساواة يمنحنا الأمل. 

ان مثل هذه الحملة تضع فلسطين على أجندة الحركات العالمية باعتبار كفاح الفلسطينيين يرمز الى الكفاح العالمي في سبيل تحقيق العدالة. كما أن حملة عالم بدون جدران تنهي كل المحاولات التي تخدم مصلحة إسرائيل فيما يتعلق باستثناءها من العقاب، حيث أن التحدي الأكبر لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي هو أن تتم محاسبته أمام المعايير الأساسية للقانون الدولي واتفاقيات حقوق الإنسان.

من خلال تعزيز هذه الرؤية العالمية لتوحد الحركات في النضال للعيش في عالم بدون جدران كما تدعو الى ذلك حملة عالم بدون جدران، فاننا كشعب يعاني من القهر والقمع والاضطهاد، نريد أن نتجاوز دور الضحايا الذين لايحركون ساكنا ونريد أن نكون أبطالا فاعلين في النّضال العالمي من أجل العدالة. 

كتاب عالم بدون جدران

تم تطوير فكرة هذا الكتاب من أجل الاستجابة لاقتراحات الناس والحركات المنخرطة في حملة عالم بدون جدران، الذين نجتمع معهم دائما من أجل تنظيم فعاليات وأنشطة مختلفة منذ انطلاق حملة عالم بدون جدران عام 2017. كان هناك شعور لدى الجميع بأن الوقت قد حان لترتيب أفكارنا ووضعها في كتاب.

مع العلم أن هذه ليست بالمهمة السهلة،الا أننا استطعنا تبادل الخبرات والأفكار بيننا والتطوير عليها. المهم من خلال هذا الكتاب هو أن نحلل الروابط المشتركة داخل عالم الجدران هذا وتجارب ونضالات الشعوب من جميع القارات حتى نتمكن من تعزيز الجهود الجماعية وصقل الاستراتيجيات المحلية والعالمية التي تساعدنا على بناء عالم بدون جدران.

تعد المساهمات المكتوبة في هذا الكتاب عبارة عن مجموعة ملهمة للغاية من الرؤى والممارسات والمعلومات والتجارب للحركات والنشطاء/الناشطات الذين يكافحون ضد الجدران القائمة في عصرنا الحالي. نوجه الشكر الجزيل من أعماقنا لكل أولئك الذين منحونا من وقتهم للمساهمة في هذا الكتاب. 

هذا الكتاب ليس مختارات شاملة لكل الحركات حول العالم ولكنه بداية لجمع المزيد من التأملات والأفعال التي تحطم الجدران بين تحركاتنا وتبني أرضية مشتركة لبناء عالم بدون جدران، ونأمل أن يخدمنا الكتاب في تنظيم أفكارنا وربط صراعاتنا مع بعضها البعض.